غزة/ معتز شاهين:
تتصدر الحرب على قطاع غزة والعدوان الإسرائيلي في الضفة الغربية والقدس المحتلتين واجهة النقاش الدولي في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، في مشهد يتجاوز الإدانة الإنسانية إلى مناقشة التداعيات السياسية لاستمرار الحرب والاستيطان والتهجير والضم.
وبالتزامن، بدأت بعض المواقف الغربية تأخذ طابعاً أكثر عملية، عبر تحركات تستهدف التعامل مع المستوطنات ومنتجاتها، بما يفتح الباب أمام اختبار مدى استعداد الدول لترجمة مواقفها السياسية إلى أدوات ضغط مؤثرة.
وتكتسب هذه التحركات دلالتها مع تصاعد مواقف قادة تركيا وقطر والأردن ودول أخرى، الرافضة للحرب والتهجير والاستيطان، والداعية إلى الحفاظ على إمكانية إقامة الدولة الفلسطينية. ويشير ذلك إلى انتقال متزايد من التعامل مع غزة كأزمة إنسانية إلى إعادة القضية الفلسطينية إلى إطارها السياسي.
لكن ارتفاع سقف الخطاب الدولي لا يعني، وفق محللين سياسيين تحدثوا لـ"الاستقلال"، تحولاً مكتملاً في السياسات؛ فالفجوة تبقى قائمة بين ما يقال في نيويورك وما يجري على الأرض، إذ إن اختبار المواقف يبدأ خارج قاعات الأمم المتحدة، فيما تظل فاعلية أي تحرك مرتبطة بمدى استمراره وقدرته على إنتاج كلفة سياسية واقتصادية حقيقية.
ويرى المحللون أن الحضور المتزايد للقضية الفلسطينية في أعمال الجمعية العامة يوفر نافذة سياسية لإعادة طرحها باعتبارها قضية سياسية مرتبطة بمسار الحل النهائي، وليس مجرد ملف إنساني وإغاثي، خصوصاً مع عودة النقاش الدولي حول الاستيطان والتهجير ومستقبل الدولة الفلسطينية.
وتتواصل أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين بمدينة نيويورك، حيث بدأت المناقشة العامة في 22 سبتمبر/أيلول الجاري، وتستمر حتى 26 سبتمبر، على أن تُختتم في 28 سبتمبر، بمشاركة قادة دول وحكومات وممثلين رفيعي المستوى عن الدول الأعضاء.
وتأتي القضية الفلسطينية ضمن أبرز الملفات التي حضرت في خطابات عدد من القادة خلال الأيام الأولى، بالتوازي مع تحذيرات أممية من استمرار العنف والتهجير والتوسع الاستيطاني في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
بعد سياسي
بدوره الكاتب والمحلل السياسي د. سعيد أبو رحمة يرى أن تحوّل غزة والقضية الفلسطينية إلى محور بارز في خطابات عدد من قادة الدول يعكس اتساع حضور القضية الفلسطينية في الأجندة الدولية، في ظل تصاعد الانتقادات للحرب الإسرائيلية على القطاع والاستيطان والتهجير والضم في الضفة الغربية، وتزايد النقاش حول مستقبل الدولة الفلسطينية.
وأوضح أبو رحمة لـ"الاستقلال" أن حضور غزة في خطابات دول تختلف مواقفها تجاه إسرائيل يحمل دلالة سياسية تتجاوز البعد الإنساني، إذ بات ما يجري في القطاع مرتبطاً بقضايا القانون الدولي وحقوق الإنسان والأمن الإقليمي، إلى جانب مستقبل النظام السياسي في المنطقة.
ويرى أن اللافت في الخطاب الدولي الراهن هو انتقال النقاش من نتائج الحرب إلى مستقبل القضية الفلسطينية؛ فبعد أن كان التركيز منصباً بصورة أساسية على الوضع الإنساني في غزة، بات الاستيطان والتهجير والضم حاضراً بصورة أكبر، إلى جانب التحذير من تداعيات هذه السياسات على إمكانية إقامة الدولة الفلسطينية.
وبحسب أبو رحمة، فإن هذا التحول يطرح سؤالاً يتجاوز كيفية إنهاء المعاناة الإنسانية في غزة إلى كيفية الحفاظ على إمكانية قيام دولة فلسطينية، في ظل استمرار تغيير الواقع الجغرافي والسياسي في الأراضي الفلسطينية.
ويتزامن ذلك مع تحركات غربية تجاه المستوطنات، يرى أبو رحمة أنها تمثل بداية انتقال جزئي من الإدانة السياسية إلى الإجراءات العملية، لكنه يشدد على أن هذه الخطوات لا تزال متفاوتة بين الدول ولم تصل إلى مستوى سياسة دولية موحدة، ما يجعل استمرارها وقدرتها على إحداث تأثير فعلي المعيار الأساسي لقياس مدى التحول.
ويشير إلى أن الاختبار الحقيقي سيكون في قدرة المواقف المعلنة على التحول إلى ضغوط دبلوماسية واقتصادية وقانونية أكثر تأثيراً، معتبراً أن تحويل الفرصة السياسية الحالية إلى مسار عملي يتطلب وقفاً مستداماً للحرب، وحماية الفلسطينيين، ووقف الاستيطان والتهجير، وإعادة إعمار غزة، وفتح مسار واضح نحو إقامة الدولة الفلسطينية.
رفض متصاعد
الكاتبة والمحللة السياسية د. رهام عودة اعتبرت تصدّر غزة والقضية الفلسطينية خطابات عدد من قادة العالم يعكس اتساع الرفض الدولي للسياسات الإسرائيلية في قطاع غزة والضفة الغربية، ويشير إلى تحول متزايد في طبيعة التعامل الدولي مع الحرب والاستيطان ومستقبل الدولة الفلسطينية.
وأوضحت عودة لـ"الاستقلال" أن خطابات قادة الأردن وقطر وتركيا وفرنسا والبرازيل، إلى جانب مواقف دول أخرى، عكست، وفق تقديرها، رفضاً لاستمرار الحرب والتوسع الاستيطاني، إلى جانب الدعوات لإنهاء الاحتلال والاعتراف بالدولة الفلسطينية والتمسك بحل الدولتين.
وترى أن أهمية هذا الحضور لا تقتصر على ارتفاع مستوى الانتقادات الموجهة إلى إسرائيل، وإنما تكمن في اتساع دائرة القضايا المرتبطة بالقضية الفلسطينية، من الحرب في غزة إلى الاستيطان والتهجير والضم، وصولاً إلى مستقبل الدولة الفلسطينية. وتعتبر أن وضع سياسات تغيير الواقع على الأرض في صلب النقاش الدولي يمثل تطوراً مهماً، بدلاً من الاكتفاء بالتعامل مع نتائجها الإنسانية.
وبينت عودة أن الإجراءات التي تتخذها بعض الدول تجاه منتجات المستوطنات يمكن أن تشكل بداية لضغوط اقتصادية، مشيرة إلى أن اتساعها قد يؤثر في التجارة والاستثمارات المرتبطة بالمستوطنات، ويرفع كلفة النشاط الاستيطاني على الشركات المتعاملة معه.
وفي ملف التهجير، تعتبر عودة الرفض الدولي له يمثل عاملاً مهماً في مواجهة أي محاولات لدفع الفلسطينيين إلى مغادرة أراضيهم، فيما لا تستبعد توسع الإجراءات الغربية مستقبلاً لتشمل التعاون التجاري والاقتصادي، وربما المجالات الأكاديمية والعلمية، إضافة إلى إجراءات تستهدف مستوطنين متورطين في أعمال عنف ضد الفلسطينيين.
ومع ذلك، تحذر من أن اتساع الخطاب الدولي لا يعني بالضرورة امتلاك الدول القدرة على فرض مواقفها على إسرائيل، مشيرة إلى استمرار الدعم الأميركي لها واستخدام واشنطن حق النقض في مجلس الأمن في قضايا مرتبطة بالصراع، وهو ما يحد، وفق تقديرها، من قدرة المجتمع الدولي على تحويل مواقفه إلى إجراءات ملزمة.
وتقول عودة إن الفجوة بين الخطاب الدولي والإجراءات العملية لا تزال من أبرز العقبات أمام إحداث تحول سياسي حقيقي، لكنها ترى أن استمرار الانتقادات والإجراءات قد ينعكس على صورة إسرائيل وعلاقاتها الدولية، وعلى مجالات التعاون العلمي والأكاديمي والسياحة والاقتصاد، ولا سيما المرتبط بالمستوطنات.
وترى المحللة السياسية أن الاختبار الأساسي للمرحلة المقبلة سيكون في مدى تحول المواقف الدولية إلى إجراءات سياسية واقتصادية وقانونية قادرة على التأثير في السياسات الإسرائيلية وفتح مسار عملي نحو إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية.
غزة تتصدر خطابات قادة العالم في الأمم المتحدة... هل تملك الدول أدوات لترجمة مواقفها؟
تقارير وحوارات


التعليقات : 0